ابن كثير

255

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الأجلين قضى موسى ؟ قلت : لا ، وأنا يومئذ لا أدري ، فلقيت ابن عباس فذكرت له ذلك ، فقال : أما علمت أن ثمانيا كانت على نبي اللّه واجبة لم يكن نبي اللّه لينقص منها شيئا ، ويعلم أن اللّه كان قاضيا عن موسى عدته التي كان وعده ، فإنه قضى عشر سنين ، فلقيت النصراني فأخبرته ذلك ، فقال : الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك ، قلت : أجل وأولى . فلما سار موسى بأهله كان من أمر النار والعصا ويده ما قص اللّه عليك في القرآن ، فشكا إلى اللّه تعالى ما يحذر من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه ، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام ، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءا ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه ، فآتاه اللّه سؤله وحل عقدة من لسانه ، وأوحى اللّه إلى هارون وأمره أن يلقاه ، فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون عليهما السلام ، فانطلقا جميعا إلى فرعون ، فأقاما على بابه حينا لا يؤذن لهما ، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد ، فقالا : إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ قال : فمن ربكما ؟ فأخبراه بالذي قص اللّه عليك في القرآن ؟ قال : فما تريدان ؟ وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت ، قال : أريد أن تؤمن باللّه وترسل معنا بني إسرائيل ، فأبى عليه وقال : ائت بآية إن كنت من الصادقين ، فألقى عصاه فإذا هي حية تسعى عظيمة ، فاغرة فاها ، مسرعة إلى فرعون . فلما رآها فرعون قاصدة إليه خافها فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل ، ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء ، يعني من غير برص ، ثم ردها فعادت إلى لونها الأول ، فاستشار الملأ حوله فيما رأى ، فقالوا له : هذان ساحران يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى ، يعني ملكهم الذي هم فيه والعيش ، وأبوا على موسى أن يعطوه شيئا مما طلب ، وقالوا له : اجمع لهما السحرة ، فإنهم بأرضك كثير حتى تغلب بسحرك سحرهما ، فأرسل إلى المدائن فحشر له كل ساحر متعالم ، فلما أتوا فرعون قالوا : بم يعمل هذا الساحر ؟ قالوا : يعمل بالحيات ، قالوا : فلا واللّه ما أحد في الأرض يعمل بالسحر بالحيات والحبال والعصي الذي نعمل ، فما أجرنا إن نحن غلبنا ؟ قال لهم : أنتم أقاربي وخاصتي ، وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم ، فتواعدوا يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى . قال سعيد بن جبير : فحدثني ابن عباس أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر اللّه فيه موسى على فرعون والسحرة هو يوم عاشوراء . فلما اجتمعوا في صعيد واحد قال الناس بعضهم لبعض : انطلقوا فلنحضر هذا الأمر لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ [ الشعراء : 40 ] يعنون موسى وهارون استهزاء بهما ؟ ف قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ [ الأعراف : 115 ] قال : بل ألقوا فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ [ الأعراف : 44 ] فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة ، فأوحى اللّه إليه أن ألق عصاك ، فلما ألقاها صارت ثعبانا عظيمة فاغرة فاها ، فجعلت العصي تلتبس بالحبال حتى صارت